top of page
Search

أفتقدك لأنكِ من علمني الفقد

  • Writer: Mahmood Albusafi
    Mahmood Albusafi
  • May 6, 2020
  • 2 min read

Updated: May 7, 2020

لرائحة الموت العالقة في سديم القلب أقول لـ'جدتي'؛ أنتِ حزنٌ يمشيء على الأرض، وأنتِ الماء المنسالُ من يد الرحمة؛ الخالدةُ في هذه الحياة، المحفوفةُ بالملائكة من وجع الخلود. لكِ الموت أما أنا؛ لي عذاب الإشتياق لكِ؛ ولجسدكِ المؤقت في مرقده الأبدي، دمتِ سلامًا بقبركِ، وذكرى تخفق لقلبي مهما غبتِ، وحبًا سرمديًا في حياتي، كنتِ وكانت الحياةُ معكِ. أنا لا أرثيكِ، فالرثاء للأموات، أما أنتِ مُمجدةُ في الذاكرةِ والقلب، ممزوجةُ بين زاوية الحنين الأولى وقرص الشمس، مفعمةُ بالريح ما بين قلب وقلب.


كانت لكِ قِبلتان في الوداع الأخير، قِبلة الصلاةِ، وقِبلة القبر، فقبلة الصلاة كانت لي، وقِبلة القبر كانت لكِ، فهل تقبل الله صلاتي وصلاتُكِ؟!. فقد صرتُ اخشى من النور بعدكِ، لتعودي إلي وترُكي لي الظلام، عودي إلي الآن لطفاً، فأنا الماكث في البقعة السوداء من الأرض، لا حياة لي بعدكِ. وما عادت الحياة تسعف فقدي بكِ، ولا عادت الأرض تطيق حزني بكِ، ولم يعد قلبي يقوى على تصديق ذكرى رحيلكِ، عودي إلي يا رائحةُ الأحياء في القبور. عودي إلي، وسوف اتقاسمُ فتات العمر معكِ، وسوف اُزود سنين بقاؤكِ معي، وسوف اخلق لكِ حياة أخرى من حياتي، واصنع لكِ ما تريدين ولكن عودي فقط.

كنتِ طفلةُ لا يعرفها الحزن، كنتِ مثل أمي بل كنتِ أمي نفسها، تشاركني طقوس الحياة. لا أذكر أنني وجدتُكِ يوماً دون إبتسامتُكِ المعهودة، ولا أذكر يومًا من أيام السنة يمرُ كعابر سبيل؛ إلا وكنتِ تضعين لقمة السعادة في جعبة الجميع، لله ما أعظمكِ، كنتِ طيبة المعشر والخلق. كنتِ مثل السحابةِ أو اخف منها بقليل ترويني وتظللني، كنتِ تنثرين على قلبي السلام، ليورقُ الضياء والسكينة، فأشعرُ بقربك مني، واشعرُ بالإنتماء إليكِ، إلى قلبكِ، إلى مدينة عيناكِ، إلى كل ما خلق الله فيكِ، لهذا أحبك وابقى أحبُكِ. فكم أنتِ جميلة القلب وأنا أحبُكِ لهذا ودونه.


جدتي، هل تعلمين كم أنا ممتنٌ لذاكرتي التي لا زالت تستصيغُ مذاق السكر العالق بفمي الآن، السكر الذي تساقط من اصبع سبابتك الأيمن وأنتِ تحاولين اخراج قطعة نقدية قد حاولتُ أن ابتلعها وأنا في الرابعةِ من عمري. ذاكرتي لا زالت تحفظ تقاسيم وجهُكِ البلوري، وتفاصيل صوتُكِ المشبعُ بالحنان والحب، هذا الصوت الذي كان يقودني إلى جنة الفردوس الأرضي لأنعم بالسلام، هذا الصوت الذي كان يخبرني أنكِ جنة على هيئةِ أنثى.


غفر الله لي خطيئة تركُكِ تموتين قبلي، غفر الله تصديقي بحقيقة رحيلكِ، لكِ الحياة الخالية من الإشتياق، أما أنا لي الموت المقطر بعروق اليدين، والكآبة المحصورةُ بصدري الممتلئ بالوجع والألم، فكم سلب الفقد مني قدسية الأبجدية، فلا الكلمات تقوى على الكتابةِ لكِ، ولا عزلي عنكِ، ولا حتى أتخاذي أرواحُ غيرُكِ، ولكنني أقول بصوت الصبر والإيمان "إنا لله وإنا إليه راجعون".


سامحيني أيتها المترفةُ بالحب، فأنا الرجل الوحيد الذي لا يقوى على كتابتُكِ في عنفوان الشعر، ولا جدران حارتنا المرصعةُ بالطهر والحنين للموتى.

 
 
 

Comments


  • Grey Facebook Icon
  • Grey Twitter Icon
  • Grey Instagram Icon
  • Tumblr
  • LinkedIn

@Mahmood Albusafi

© 2023 by Arianna Castillo​. Proudly created with Wix.com

bottom of page