
عكازة من الريح
- Mahmood Albusafi

- Feb 18, 2023
- 2 min read
هذا الوقت الذي يمشي على عكازة من الريح، أصبح خفيفًا جدًا، ويشبه دموع أمي التي لم تتوقف منذ لحظة وقوع الموت على مسامعها، تسقط مدامعها على القدمين مباشرة وكأنها لا تعلم ما معنى الانتظار على الخدين للحظة، لقد كان الوجع عميقًا جدًا. حتى أن هذا المكان الذي يرتديه الجميع بلون الحزن، تفوح منه رائحة العدم، ويشيخ فينا الصمت ونحن نلوح لجثمان جدي العزيز بذراع يملؤها الحنين وألم الفراق. كان جليًا لنا أن نأجل الحزن لأيام مضت على كل شيء آخر غير هذا اليوم. كان من الممكن أن نضع الأشياء التي يحبها جدي على كل الأشياء من حولنا، في لحظة فيثاغورسية لا يسعها الوقت ولا المكان في فهم هذا العبور من الخارج للداخل ونحن نجر الخطى عائدين لذاتنا، متلهفين لشيء آخر غير هذا اللقاء. قد كانت الأيادي التي تحمل جثمان جدي في هذا العبور، كانت تعلم أن الثقل في القلب، في هذا الجزء الذي لا نعلم كيف نطبطب عليه من ألم الفجيعة، وألم الفقد، وألم الوحدة العائلية لرحيل هذا الرجل العظيم. كانت الأيادي وحدها تعلم أنها لا تستطيع حمل الموت، ولا تستطيع حمل جدي في آن واحدة، كان لابد من طقوس خاصة جدًا وقانون آخر أن نضعه في هذه اللحظة التي يعجُ فيها الحزن، ونحن نشعر بالعجز العميق في صدورنا الخالية إلا من الحزن. ورائحة جدي، لأن جدي كان معنا، كان للمرة الأولى أن يكون عصاميًا بلا ملامح، شامخًا بلا ملامح، وجه الذي عهدناه بشوشًا أصبح بلا ملامح، كان يرى الجميع ولا يرى أحد فينا ملامحه، للوهلة الأولى أدركنا أن هذا الغموض الذي يرتديه جدي كان بلا ملامح. وكأن الله أراد لهذه اللحظة أن تكون أكثر قدسية لجدي العزيز وأكثر قربًا منه، كأن الله أراد أن يكون معه، وأراد من جدي أن يكون مستعدًا لهذا اللقاء، تاركًا خلفه الكثير من الفراغات التي لا تستطيع الذكريات أن تشبعها بغير الدمع والبكاء. لقد كانت لحظة لا يستطيع فيها الجسد البشري فهم كيمائية الموت، وفكرة الموت، وحقيقة الموت، ولا يستطيع أن يفهم لماذا كان جدي مستعدًا لهذا اللقاء، ويقظًا لهذا الوداع دون أن نشعر بهذا الأمر حينها. لقد أصبح جدي في هذه اللحظة حيًا أبديًا مع الله، أما نحنُ موتى إلى حين ذلك الوقت. فالسلام والرحمة لروحك الطاهرة جدي العزيز.








Comments