top of page
Search

قيثارة عزرائيل

  • Writer: Mahmood Albusafi
    Mahmood Albusafi
  • May 6, 2020
  • 3 min read

Updated: May 7, 2020

على قارعة الطريق، وفي إحدى الطاولات التي تقنط خارج سور المقهى الفاخر، والكراسي المرشوشة بلون الذهب تجعل المكان يضج ببريق الكريستال، جلس يتمعن وجوه الأبنية، الملطخة بالتجاعيد، وخطوات المشاة المتأرجحة، تشبه طرق الباب، أخذ رشفة من قهوته الصباحية، قبل أن يعيد إغلاق زر قميصه الصوفي.


أخذ الجريدة من على الطاولة، يبحث فيها عن ورقة بيضاء لم تلطخها الأقلام، ولم تحاصرها الهتافات بمسمى الحرية، التي تحاول أن تقود عامية الناس إلى القبو، والتي عادةً ما تحاول إقناعهم أن رقصات الباليه وطاولات البارات القديمة هي وسائل ترفيه بعد عمل شاق.


في إحدى الصفحات الأخيرة وجد عموداً لأحد البراغيث الجدد يحمل عنوان (قيثارة عزرائيل) ، تلفظ قائلاً "هكذا هم الأدباء دائماً ما يجعلون العنوان كقطعة السكر، يتهافت الجميع إلى اقتنائها، بالرغم من المحتوى ليس سوى هراء".


بدأ بقراءة القصة، "مكعبات الثلج لا زالت تعانق قدميه، وخيوط ضئيلة من النور، تنسال من أوردة القناديل العالقة في بيوت الطين القديمة، تزيل رائحة العتمة التي تتسارع أنفاسها خوفاً من وحشة الليل، وعلى إيقاع قطرات المطر المتساقطة من المزاريب، والمصاحبة لحفيف الشجر، تشبه الضرب على الآلات الموسيقية في حفلة عشاء لكبار الشخصيات.


جلس فهد في إحدى الأزقة، التي تفوح منها رائحة العفن والدفء، وملابسه الرثة التي ليس بإمكانها أن تعانق جوارحه المجروحة، ظل لساعات على هذه الحالة، يستذكر ما بقى في روزنامة جمجمته، وكيف تحولت حياته إلى جحيم بعد النعيم الذي كان يعيش في جنباته، حينما كان يعيش مع والديه حياة الترف، والتي لم يذق بينهما المآسي والآلام رغم الظروف التي كانت تتعرض لها القرية من ظلم وسرقة وكثرة قطاع الطرق، إلا أنه عاش حياة الأثرياء بسبب الدريهمات التي يرسلها له والده بعد طول غياب في العمل، في إحدى الدول المجاورة.


عاش أهل القرية على الفقر المتقع، فكانت الوسيلة الوحيدة لأمتلاك البضائع، هي المقايضة في ما بينهما، فقد كان أهالي البحر يقايضون المزارعين الأسماك ويأخذون منهم حاجاتهم من الفواكه والخضروات، كانت حياتهم لا تعرف مذاق الدريهمات، لهذا من لديه المال ينسب إلى الأثرياء.


مرت على بال فهد غمامة سوداء، بدأت في إسقاط النبيذ على ضلوعه المجروحة، عندما استيقظ على بكاء أمه في فاجعة وفاة أبيه، الذي تعرض له أحد قطاع الطرق عند رجوعه إلى البيت، لحظتها ساءت حالة أمه بسبب الخبر، وصارت طريحة الفراش واضطر إلى العمل صباحاً تاركاً خلفه شغف العلم وحب القراءة مع أبناء الحارة، عمل في تنظيف سفن النوخدة. يتعرض لأبشع المعاملة والإهانة والضرب، إذا ما وجد القليل من رفات الأسماك، تحمل كل الإهانات من أجل أن يدفع علاج أمه الباهض الثمن.


بعد مرور الشهر الأول من وفاة أبيه، شاخ المرض في أم فهد وظلت تعزف الحياة من قيثارة عزرائيل حتى أنهكها التعب، ونامت على خد فراشها المنهك، وتلاشت من أمامها رقصات خجولة لذكرى أبي فهد.


فهد على جلسة القرفصاء في فراش أمه، يتجرع بغصة الحزن والدمع ينسال من عينيه، بعدما كانتا تسكبان الدفء في عيون من حوله، كان يقلب ناظريه بين أدوية أمه وملابس أبيه، ويشعر بدفء وجودهما وبمرارة فقدهما، استمر على هذه الحالة لبضعة أيام وطرد بسببها من العمل، وكان يعيش تلك الأيام على بيع مقتنيات البيت ليشتري بعض الطعام.


صحى فهد مرعوباً على صوت يخرج من النفايات، حتى اذا ما اقترب منها بقدمين ترتعشان وجد قطة تعبث هناك، ابتسم بعدما أخرج كل الهواء من جسده المرهق، والممتلئ بالأنين لأرواح قد قطعت تذكرة الرحلة إلى السماء.

شدّ ناظريه مجلة مرمية، تسارع في اقتنائها، ازال ما بها من الأتربة وجلس يقرأ محتواها برغم أن أكثر الأوراق ممزقة، عاد بذاكرته إلى الوراء قليلاً، حينما كان يقرأ في الصف بكل سلاسة، ويتعطر بثناء المعلم، ويتراقص طرباً للتصفيق الحار، من كفوف الطلبة على قراءته الصحيحة، وهو لا زال في الصف الثالث.


وعندما كان يرتاد مكتبة الحارة بعد وفاة أبيه، وفي يوم مشؤوم سرح في قراءة أحد الكتب الأدبية المشوقة، وغلبه النوم ولم يستيقظ إلا على رائحة الكتب المحروقة ودفء المكان يحاصره، حاول جاهداً إخمادها بالضرب ببعض الكتب، انطفأت النار ولله الحمد ولكن أكثر كتب المكتبة قد احترقت، عوقب بالضرب المبرح من رجال الحارة، وأسلب منه البيت غرامة لحرقه الكتب.


هبت رياح باردة، وسلبت من يد فهد المجلة، وخارت قواه ونام، وكان حلمه أن يستيقظ كما كانت حياته من قبل، أن يصحو على صوت أمه العذب، وزغاريد العصافير وهي تطرق بمنقارها شرفته الخشبية، المطلة على باحة نخيل القرية، وأن يتناول الإفطار مع أبيه قبل ذهابه إلى المدرسة، ولكن استيقاظ أهل الحارة كان أسبق من استيقاظ أحلامه، وظل نائماً في مقبرة القرية."


أنهى قراءة القصة، ثم أردف قائلاً "ليس في مجتمعنا المحافظ على حقوق المواطن والذي يناشد بالحياة الزهيدة أن يقع به مثل هذه القصص الخيالية والتي تدعو إلى الخزعبلات، هكذا هم الأدباء يتفننون بالضرب على الوتر الحساس لدى الشعب، ويدفعوهم إلى خراب بلادهم." رمى الجريدة على بساط الريح، وسار بخطى مدروسة إلى العتمة.


سقطت الجريدة في يد أحد الأطفال المشردين، وهو أمي لا يجيد القراءة والكتابة ليس مهماً لديه أن يعرف محتوى هذه الجريدة التي حلت علية كهدية حسب علمه، ولكن كل ما يريدُ منها أن تغلق الضوء المتسلسل من فتحة خيمته. عاد الطفل إلى خيمته سعيداً وأغلق عن العالم ستارة.

 
 
 

Comments


  • Grey Facebook Icon
  • Grey Twitter Icon
  • Grey Instagram Icon
  • Tumblr
  • LinkedIn

@Mahmood Albusafi

© 2023 by Arianna Castillo​. Proudly created with Wix.com

bottom of page