مدينة الكلمات
- Mahmood Albusafi

- May 6, 2020
- 3 min read
Updated: May 7, 2020
"لا وطن ولا منفى هي الكلمات" هكذا يصف الشاعر الكبير -محمود درويش- الكلمات، فما أجمله من وصف ، وما أجملها من عبارةُ تملأ ما بين شقوق كفيها ألف معنى، وما أجملها من عبارةِ توصف حق المشاعر التي تنمو بين حنايا الأدباء، وتربو في فراديس حسنها. حتى إذا ما مرت في ذهن القارئ ظن أن ظلمةِ تسع قد جمعتها في رحم واحد، لتتوالى بعدها المعجزات على بساط الريح.
الكلمات كالكمنجات تسمو بسمو عازفها، ما بين أنغامها تولد الحياة من جديد، فإن النص الحديث أو الجديد - كما يصفه أدونيس ويعلله - هو خروج حقيقي من عباءة التراث القديم، والنص الأدبي في ظل المفهوم الحداثي له هو انطلاق من نقطة أن كل شيء مباح له في عالمه، كل شيء مباح ومشرع، ولا يقتصر الأمر في هذه النظرة على التابوهات الثلاثة الأولى - الدين والجنس والسياسة - بل ويتعداها إلى الأخلاق والقيم الإجتماعية في إصلاح المجتمع وترميم ما بقى من حكمة الماضي ليصل حتى إلى ذاته - ذات النص الأدبي - مستبيحاً الشكل الفني والوصف واللغة في سبيل حرية وجودية وكونية مطلقة ينشدها، لتصبح وظيفة النص الأدبي وظيفة تواصلية بين الإنسانية والكون. إن المغزى الأساسي من كتابة النصوص الأدبية حيثُ كان اختلافها الشكلي بين القصيدة والقصة والرواية والمقال وتدوين اليوميات والأخبار والمسرحية، كل هذه الشكليات تدعو إلى هدفِ واحد. إن الكتابة هي تصحيح فكر الإنسان وتعايشه مع المتغيرات وتعليمه وتثقيفه مهما كان الاختلاف في الطريقة والأسلوب الذي يحذوها كل كاتب.
إن إنتاج أي نص أدبي ناضج لابد أن يكون خارج من رحم الإلهام والموهبة ومملكة اللغة، رغم أن للحواس الخمس الدور الكبير في إنتاج النص الأدبي، وهي من أهم الأدوات التي يحتاج إليها الكاتب أو الشاعر في عملية إنتاج نص أدبي، والحواس الخمس تلك التي تتجلى في السمع بالأذن والبصر بالعين والشم بالأنف والتذوق باللسان واللمس من خلال الأطراف كمعجزة الخالق في خلقه وهي كلها أدوات تساهم في إنتاج فكرة مرتبطة بكل ما ينتمي إلى الإحساس والشعور والتواصل مع الكون، وهذا الارتباط بحد ذاته من محفزات الكتابة لعملية خلق أفكار جديدة وإثارة ملكة اللغة، ومن لا يمتلك ملكة اللغة فإن ملكة الإحساس غير كافية لإنتاج نص ناضج يندرج تحت قوائم الأدب، فإن المسألة تعود إلى الموهبة والإلهام أولا. إن فقد أحد الحواس الخمس لا يعني عدم إنتاج نص جميل، فهناك الكثير من الأدباء والشعراء الذين فقدوا أحد حواسهم، لكنهم تمكنوا من كتابة أرقى النصوص وحلقوا في فضاءات الأدب بأجنحة من ذهب، وأصبحوا أحد أعلام هذا المجال كالكاتب والفيلسوف طه حسين الذي فقد بصره، والشاعر العباسي: أبو العلاء المعري الذي فقد بصره أيضاً. فالمسألة تعود للموهبة والإلهام وملكة اللغة أولا وأخيراً.
ونحن نلامس أفكار جيل الأدباء الشباب في ساحتنا الأدبية العربية نجد أننا لا زلنا مترددين في اتخاذ موقف من الأمر برمته، في هذه النصوص والتي تستبيح صحف الصباح ، والكتب التي كأوراق الخريف المتساقطة بلا إنتهاء في المعارض والمكتبات ، وهذه النصوص الأدبية أقرب فالنمو في مكان أشبه ما يكون بالفراغ المفاهيمي ، لتنتج لنا بعدها أشباه نصوص أدبية. ليس كل كاتب نص أدبي يعظم ويمجد بل لابد أن يواجهه بالنقد، فنحن بسبب افتقارنا إلى النقاد لا نرى أي توقف في آفة الكتابة الغير الهادفة، كم كتاب لطخ مفهوم الكتاب، وصار يحتك مع الكتب العريقة والعظيمة ، ككتب الشعر التي تجالس كتب -محمود درويش- وكأن ما بينهما ليس سوى العمر ، وكم كتب نثر تجاور كتب -نجيب محفوظ- وكأن ما بينهما ليس أيضاً إلا اختلاف الغلاف. ومن المواقف التي نبكي عليها دماً أن نرى انتشار كتب الغرب بيننا، وتكون هذه الكتب أجمل من كتب أدبائنا العرب، والبعض من هاؤلاء الأدباء العرب للأسف جعل من مقدمة كتابه والذي يحكي عن واقع العرب بشكل خاص، مكانة لقلم هذا الكاتب العالمي -أنا لا أدعوا إلى العنصرية إطلاقاً- ولكن أضع النقاط على الحروف، إن سبب وضع في غلاف الكتاب بخط عريض -المقدمة من الكاتب العالمي- إلا من أجل التسويق وجعل من الكتاب له الحظ الوافر من الانتشار الكبير، حتى وإن كانت مقدمة الكاتب العالمي ليس لها صلة إطلاقاً بالكتاب نفسه.
ولهذا تخلى الكاتب العربي للأسف عن الهدف المرجوء من الكتابة، فلم يعد يكتب من أجل الكتابة ومن أجل الهدف المرجوء منه، نسى أو تناسى عبارة أوسكار وايلد "نحن أخترعنا اللغة كي نخفي مشاعرنا"، وصار يسعى إلى الشهرة والثروة والتفاخر في عدد الطبعات، فبعض القُراء يكون أختياره للكتاب من خلال عدد مرات طباعته، لهذا نجد بعض الكتاب يطبع كتبه بعدد بسيط من أجل أن يعيد طباعتها من جديد وبإعتبارها نسخة جديدة عن النسخة السابقة والغريب في الأمر أن هذا الكتاب لم يكمل العام من ولادته وهو يمتلك طبعتين وثلاث.
"الكتابة ضرب من الصلاة" هكذا يصف الكاتب التشيكي-فرانس كافكا- الكتابة، فإن كتابة النص الأدبي كالولادة، فبعد أن ينهي الكاتب نصه الأدبي لابد من رعايته والإهتمام به قبل النشر، فهذه المراجعة تعيد ترتيب أفكار الكاتب والنظر إلى النص من خلال منظور آخر، حتى يتسنى له تقديم النص للقارئ على صحن من ذهب، بعيد عن الرمزية والفلسفة، فالكاتب يرى أن القارئ لا يحب الإنتظار والترقب، لهذا نرى بعض الكتاب يكون سطحي بقدر ما أمكنه ذلك، فقد انتهى وقت التلذذ في القراءة للأسف.








Comments